
أعتقد أن الكثيرين مثلي يتخيلون أن لو كان لديهم فقاعتهم الخاصة ، فراغ صغير يعزله عن أصوات العالم المزعجة ، وعن خطواته السريعة المتلاحقة ، والضغط النفسي الناتج عن تتابع الأحداث والأخبار بشكل مخيف ، وعن فوضى المشاهد والمشاعر التي تعثو في كل مكان.
هل يمكن للبيت أن يكون هو تلك الفقاعة ؟ومتى يتحقق معنى السكن في البيت الذي نعيش فيه؟
بالطبع يستطيع التصميم المتوازن أن يجعل البيت معززاً للراحةالنفسية وفيما يلى بعض الخطوات والمحاولات لجعل البيت سكن حقيقي :
كل العناصر والخطوات المكونة لعملية التصميم إنما وضعت من أجل وظيفة معينة وأيضاً من أجل بث شعور ما ،الدماغ يترجم كل الإشارات التي يستقبلها إلى مشاعر ، الضوء والمساحة والملمس والرائحة كلها تعطي إشارات حسية للمخ وبالتالي تتسبب في شعور ما ، الأسقف المنخفضة مثلا والمساحات الضيقة ترفع هرمون (الكورتيزول ) المسئول عن الاجهاد ، بينما المساحات الواسعة تعطي شعور بالحرية .
و الألوان ، كل لون يعطي شعوراً مختلفاً ، وايضاً الإضاءة من حيث نوع ودرجة الإضاءة وطريقة توزيعها بالتأكيد تمنح إحساساً مختلفاً بالفراغ ’ .
وكذلك الخامات المختلفة من حيث الملمس والتكوين واستخدامها وتوزيعها على الأثاث ؛ العمل الجيد على كل تلك العناصر قد يعزز الشعور بالأمان
،ويحسن المزاج ، ويقلل التوتر والضغوط النفسية ، كما يزيد الانتاجية والتركيز أيضاً .
فكيف يمكننا التحكم في كل هذه العناصر ومتى تصبح علاجاً نفسياً لساكني البيت .؟
الألوان
يظن الكثير أن الألوان المحايدة كاللون البيج والرمادي هي السبيل الوحيد للوصول لمكان هادئ ومريح ، والألوان المحايدة فعلاً كذلك فهي ألوان صامتة لا تزعج معظم الناس ، ولكنها الخيار الأسهل وليس الوحيد .
الحصول على الراحة عن طريق الألوان يمكن أن يتحقق بعدة طرق مختلفة وهذا الأمر تم التأكيد عليه من قبل علم الالوان .
هناك عدة طرق مضمونة لاستخدام الالوان في التصميم الداخلي بحيث تكون النتيجة ناجحة من الناحية الجمالية تعطي شعورا جيدا للانسان .
أولا يجب معرفة سيكولوجية الألوان وهي تعني أن لكل لون تأثير نفسي مختلف ،
اللون الأحمر هو لون يبعث على النشاط والتركيز .
– اما اللون الأزرق والأخضر فيعطي احساسا بالهدوء والراحة .
– الالوان الرمادية قد تعطي شعورا بالرتابة والملل
-والابيض اذا لم يتم استخدامه بشكل مدروس قد يدي لنفس النتيجة .
هناك عدة نظريات مدروسة حول اختيار وتوزيع الألوان والتي تعطي نتيجتها غالبا نتيجة مرضية للعين والشعور الانساني :
- استخدام نظرية أحادي اللون
أي طلاء المكان بدرجات مختلفة من لون واحد وكذلك العناصر والاثاث تدور حول هذا اللون ، وهذه من أم النظريات التي تتخص بها من فوضى الالوان وتجعل المكان هادئا .
- استخدام نسبة 10/30/60
حيث يشكل لون غالبية التصميم ولون آخربنسبة أقل ولون ثالث بنسبة بسيطة جدا .
- استخدام نظرية الألوان في اختيار الالوان المتناقضة والمكملة معا، فهي طرق للحصول على تصميم مريح للنظر والحالة المزاجية .
الإضاءة
بالامس شاهدت مقطع فيديو يبين تأثير الاضاءة المختلفة على الفراغ الواحد ، كان يتم تغيير الاضاءة بين الدافئة والبيضاء القوية على نفس الغرفة ، في كل ومضة تغيير كان يولد شعور داخلي بأن الفراغ اختلف تماما ، ومع الاضاءة الدافئة شعرت بأن المكان يدعو قاطنيه للاسترخاء أما الاضاءة القوية فتدفعه للعمل والانتاج ،
أكاد أُجزم ان عنصر الاضاءة وحده يمكنه ان يهيئ مكانا للراحة والاسترخاء ؛ اتذكرعندما كنا نسدل الستائر وقت الظهيرة لنستطيع اذ قيلولة واذكر جدتي حينما كانت تطفئ أنوار البيت ليلا وتشعل (الوناسة ) _لمبة صغيرة تعمل باشعالها بالزيت تعطي اضاءة خافتة_ كان هذا يبعث على الكثير من خيالات الطفولة ثم النوم الهادئ العميق .
-درجة الاضاءة للاسترخاء .
يترجم العقل البشري ضوء الغروب إلى حالة من الشعور بالاسترخاء والهدوء ،أي أنه يتعرف على الألوان الدافئة والمنخفضة على انها إشارة للدخول في الليل والسكينة.
– يبدأ الجسم في إفراز ( هرمون الميلاتونين )عند درجة 2700K-3000K وهي درجة حرارة اللون وهي عند هذه النسبة تسمى بالضوء الابيض الدافئ. وتسمى النسبة الذهبية لأنها تعطي شعورا بالأمان والحميمية والاحتواء .
– يراعى أيضاً شدة الضوء عند تحقيق مبدأ الاسترخاء او في الركن المخصص للراحة يجب أن تتراوح شدة الضوء بين 200 إلى 400 لومن فقط .
– يفضل استخدام مفاتيح التعتيم لخفض شدة الاضاءة قبل النوم أو في الركن المخصص لذلك .
مكان توزيع الإضاءة لا يقل أهمية عن شدته ودرجة لونه ؛
– ضوء السقف المباشر يجهد العين ، يفضل وضع بعض المصابيح (الأباجورات) في مستوى العين أو أقل (على طاولة جانبية أو مصابيح أرضية).
– أيضاً توجيه الضوء ليرتطم بالحائط أو السقف يوزع الضوء بنعومة ويقلل الظلال الحادة التي تسبب توتراً بصرياً.
التناغم مع الطبيعة
الأرض هي السكن الكبير الذي خُلق من أجل الإنسان ،وكان ملائماً تماماً لاحتياجاته ومتطلباته ليعيش حياة كريمة ، نسمات الهواء في بقعة خضراء متسعة يمكنها تفريج همومك ، وساعة تقضيها امام صوت وامتداد البحر هي استثمار في وقتك وانتاجيتك لشهور مقبلة بعدها ، شروق الشمس وصوت العصافير يمنحك الامل ورغبة السعي في طرقات الحياة ، وضوء القمر وسكون الليل يُنسيك عناء يومك ويهديك شعور الراحة الذي كنت تنتظره .
أذكي الحلول العملية التي عرفها الانسان هي استلهامه كل شئ من الطبيعة حوله ،فاذا كان يسعى لبيت يعزز صحته النفسية فعليه بمحاكاة وادخال الطبيعة إلى بيته وهوما يعرف حاليا بمفهوم (البيوفيليا Biophilia) والذي يمتد لمجالات عديدة منها التصميم الداخلي .
ال Biophilia في التصميم الداخلي
يوصف التصميم المعماري بأنه biophili عندما يضع الطبيعة في الاعتبار الاول ليخلق بيئات تعمل على رفع جودة الحياة . وهو يعمل على التناغم مع الطبيعة كنوع من العودة لفطرة الانسان التي تتأثر ايجابيا بالطبيعة حيث :
-يزيد من الصحة البدنية والعقلية .
– يعزز الابداع والتركيز خاصة عند الاطفال .
– الشعور بالسلام وتقليل التوتر .
ولخلق تصميم محاكي ومتجانس مع الطبيعة الداخلية يمكن التركيز على بعض العناصر :
الملمس والخامات والاقمشة الطبيعية
العناصر الطبيعية كالحجروالخشب والكتان والمخمل وغيرها من الخامات ،هي التي تعطي طابعاً بالاتصال مع الطبيعة والطبيعة هي العامل الأساسي للحصول على الاتزان الداخلي للنفس البشرية.
-استخدم الأثاث الخشبي ذو التعريجات الطبيعية الظاهرة .
– او القطع النحاسية والفضية التي تبدو طبيعية .
– الخامات الملموسة كالكتان الطبيعي والمخمل والحرير تعطي شعور بالراحة والرفاهية .
– الاحجار الظاهرة بالجدران والاكسسوارت أيضاً تجعلك متصلاً بالطبيعة وبالتالي متزناً ثابتاً .
إضافة الماء والنبات
هل يختلف أحد على صوت خرير الماء الهادئ ،يا له من شعور بالسكينة والاسترخاء !
صوت الماء يضيف الحياة الى الفراغات الجامدة المصمتة فيجعل لها صوتاً من الطبيعة :
-يمكن اضافة الماء عن طريق النوافير
– يمكناستخدام الشلالات الداخلية والاحواض المائية .
شكل وتوزيع الأثاث
هل تعلم أن هندسة الأشكال والأثاث من أقوى الأدوات في التصميم الداخلي التي تؤثر على اللاوعي لدينا. ؟
الفرق بين الأثاث المنحني (Curved) والأثاث الحاد (Sharp/Angular) ليس مجرد مسألة ذوق، بل هو صراع بين شعوري الأمان والكفاءة.
يرتبط الشكل المنحني في علم النفس بالطبيعة (مثل شكل السحب، تضاريس الأرض، وجسم الإنسان)، وهذا يمنح شعوراً فورياً بـ:
- تقليل التوتر:
أثبتت دراسات في “علم النفس العصبي الجمالي” أن الناس يميلون لتفضيل الغرف ذات الأثاث المنحني لأنها تنشط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والسرور، على عكس الزوايا الحادة التي قد تسبب استجابة طفيفة لرد فعل “الكر والفر”.
-الأمان والراحة ؛ حيث أن
العقل البشري يميل لا شعورياً إلى الأشكال التي لا تشكل تهديداً بدنياً. الخطوط اللينة تعطي رسالة للدماغ بأن “هذا المكان آمن للاسترخاء”.
تعزيز التواصل الاجتماعي:
الطاولات المستديرة أو الأرائك المنحنية (C-shaped) تشجع على المحادثة لأن الجميع يواجه بعضهم البعض دون حواجز بصرية حادة.
البساطة minimalism
(Minimalism) أو اسلوب التبسيط والتخلص من أي زيادات في التصميم الداخلي من أكثر الأساليب ارتباطاً بالصحة النفسية، فهي لا تهدف فقط لإنشاء مساحة جميلة، بل لإنشاء “هدوء بصري” ينعكس مباشرة على صفاء الذهن.
المخ يعالج كل ما تقع عليه العين كمعلومات فإذا كانت الغرفة مليئة بالتحف، الألوان ، والكراكيب تجبر الدماغ على العمل المستمر لتحليل هذه المثيرات وهو ما يسمى ب (Cognitive Load) .
– وبالعكس عندما عندما يقل الضجيج البصري حولكِ، تزداد قدرتكِ على التركيز في مهامكِ أو التفكير بإبداع المكان المنظم يساعد على تنظيم الأفكار.
– الأسطح النظيفة الخالية من التفاصيل ، والعدد المحدود من الأثاث والخزائن المغلقة التي تضم الأغراض ، تعطي صورة نهائية نظيفة وبالتالي شعور بالهدوء والسيطرة والتركيز .
إضافة اللمسة الشخصية personlization
نحن لا نتفق جميعاً حول الأشياء التي تشعرنا بالسعادة ؛ لأن كل منا لديه الأشياء الخاصة التي يحبها .
السعادة هي مرادف للسلام النفسي والصحة النفسية والتركيز والابداع ، والحب هومرادف للأشياء التي تجعلك تشعر بذلك .
قد يكون لديك كرسي ينتمي لعصر ما أنت مغرم به ، أو لوحة تذكرك بأجمل رحلة قضيتها في حياتك ، أو أريكة جمعتك كثيراً بالشخص الذي تحبه ، لونك المفضل ، سجادتك المفضلة ، المنظر الذي يطل عليه شباك غرفة المعيشة كلها قرارات تعود لك وحدك ، وتأثيرها الرائع هذا لن يكون إلا لك انت دون الآخرين .
هذه هي اللمسة والقرار الشخصي الذي يجعل بيتك يعبر عنك ويبادلك مشاعر الانتماء والسكن .
الخصوصية
يتحول البيت الى سكن وملجأ عندما تتحقق الخصوصية ، عندما تشعر بانه يمكنك التصرف بأريحية وعفوية دون مراقبة لرد فعل الناس .
– الخصوصية تتحقق كذلك بعزل الأصوات الخارجية والضجيج عن البيت وهو ما يعزز مفهوم الفقاعة الذي تحدثنا عنه في بداية المقال .
– يجب الانتباه لتوجيه الأثاث بحيث لا يسمح بانتهاك الخصوصية من الخارج
-استخدام الفواصل سواء من النباتت أو الاثاث .
-استخدام الستائر المناسبة او استخدام تقنية العزل الصوتي
هل كانت بيوتنا القديمة مريحة نفسيا ؟
قطعاً ، وبدون مقدمات نعم كانت البيوت داعمة للشعور بالأمان بل وبالرفاهية ،بداية من هواءها المنعش المختلف عن حرارة الخارج ، وبالخصوصية التي كانت تتمتع بها كل البيوت من أفخمها لأبسطها ، بالأفنية التي تضم الزرع والنوافير ، بإضاءة الفوانيس وانعزال الصوت .
يمكننا الشعور بذلك عند زيارة بيوت القاهرة القديمة التاريخية تتمنى لو تظل بقدر ما شعرت بهدوء وسكينة النفس .
من أين نبدأ ؟
- لنبدأ بركن واحد أو جزء صغير ، طاولة أو كرسي مريح ، زاوية للقراءةأو للاسترخاء ، كتاب أو وسادة مريحة منظر جميل بالخارج أو لوحة فنية على الحائط ، خطوة بسيطة قد تُحدث أثراً كبيراً.
- الرائحة والملمس أشياء لا نراها لكن لها عظيم الأثر على مشاعرنا ، معطر جديد بالصندل او اللافندر ، مبخرة ينبعث منها البخور، بطانية ناعمة ملساء على الأريكة ، بداية موفقة .
- نبتة واحدة طبيعية داخل المنزل تجلب لك الطبيعة وتنقى الهواء وتتبادل معك الحياة في البيت .
- دقائق معدودة يوميا مخصصة لإزالة الفوضى وتنقية الأسطح من الزحام البصري تعطي شعور يستحق من السيطرة والهدوء .
- تستحق الإضاءة أضا الكثير من الاهتمام ، أباجورة في أحد الزوايا ، إضاءة مخفية خلف التلفاز ، شموع طبيعية أو الكترونية تأثيرها حقاً ساحر.
في النهاية النظر في مسألة الصداقة مع البيت هو من أجمل القرارات التي قد تأخذها تجاه نفسك ، الأمر يشبه تنقية علاقاتك إلا من الأصدقاء الأوفياء ، البيت قد يكون صديق وفي إضافي وربما وحيد إذا تحقق ذلك المعنى الحرفي المريح لكلمة (سكن) .


اترك تعليقاً