لماذا التصميم الحالي للمتحف الكبير ؟

منذ الاعلان عن افتتاح المتحف المصري الكبير ؛ وانتشار الصور والأخبار عن المتحف وبنائه ومقتنياته ؛
وهو من أهم أحاديث الساعة الجميع بين الانبهار والاندهاش والفخر والشغف حول هذا الانجاز العملاق ، ومثل هذه الأحداث لا تخلو من النقاش والانتقاد أحياناً حول كل التفاصيل ، وحين نسمع الحكايات كاملة يصبح النقد أكثر موضوعية وربما يتحول إلى تغيير في وجهات النظر.
بالطبع لا نحكي هنا كل حكايات المتحف العظيم ولكن نتناول من أين أتى هذا التصميم ؟ وما معناه ؟ ولماذا هو دون الاخرين ؟ وهل حقاً لم يكن الأحق بالاختيار وهل تبدو بالفعل معظم التفاصيل بلامعني وهل هو الأفضل على الإطلاق  لبناء هذا الصرح ؟
سنجيب بداية عن هذه النقطة الأخيرة ؛ بالطبع لا هذا التصميم ولا غيره مثالياً ولكن ربما تم اختيار الانسب في كل خطوة من مراحل البناء .



بداية الحكاية


تبدأ القصة في العام 2002 حيث يتم الاعلان مسابقة عالمية تطلقها الحكومة المصرية ومنظمة اليونسكو ، موضوع المسابقة هو بناء المتحف المصري الكبير الذي يختص فقط بالآثار والمقتنيات الفرعونية ، الأرض المخصصة للبناء تقع بين حدود القاهرة والصحراء ، على بعد 2 كيلو متر من الاهرامات الثلاثة بالجيزة ، تقدم للمسابقة فوق ال 1500 متسابق ومشروع ، ومن المثير للاهتمام أن المسابقة اشترطت تقديم المشاريع مجهولة الهوية ، أي أن الحكم لم يراعي شهرة ولا خبرة ولا مكانة مكاتب العمارة والشركات المشاركة في المسابقة ، فقط توقف الأمر كله على التصميم والمشروع المقدم .

المشروع الفائز


بعد شهور من الفحص والتحكيم تم الاعلان عن التصميم الفائز وهو heneghan peng architects مكتب هينيغان بينج المعماري ، الذي أسسه المهندسة المعمارية روزين هينيغان وزوجها شي فو بينج في العاصمة الايرلندية دبلن ، في ذلك الوقت كان المكتب عبارة عن فريق صغير من أربع أشخاص وكان لا يزال مغموراً حيث لم يتم تأسيسه إلا من 4 سنوات فقط وتذكر روزين هينيغان أنها حين تلقت مكالمة هاتفية تهنئها بقبول تصميهم في مسابقة المتحف المصري الكبير لم تكن تصدق ذلك !

احترام الجيران .


في حوار مع المعمارية روزين هينيغان بعد افتتاح المتحف المصري الكبير ، تحدثت عن سبب نجاح التصميم الذي رسمته هي وفريقها من مكتب هنيغان ، تقول :” كان تركيزنا ألا نلفت الانتباه بالمبنى الجديد عن المشهد الأعظم والجيران الخالدون منذ آلاف السنين وهم الأهرامات ، لذلك قررنا أن يكون المبنى منخفضاً أفقياً وليس شاهقاً على الرغم من ضخامة حجمه ومحتوياته فكان مكوناً من ست طوابق مفتوحة ومتدرجة ومتجهة جميعها نحو الأهرامات .
تنتهي رحلة الزائر عبر السلالم المتدرجة بحائط مفتوح وشفاف كلياً ومُطل على أهرامات الجيزة ، تصف ذلك روزين فتقول ” بذلك أصبحت الأهرامات هي القطعة الأكبر والأهم في المتحف “
الحقيقة أن هذا المعنى الكامن في ذلك التصميم كان رائعاً ، كانت الاهرامات وستظل العلم والأثر الأهم ، ولم يكن ليكون جيداً ان يكون المتحف المجاور هو الوجهة المنفردة للزائر ، ولماذا يكون كذلك ؟ إذا كان هناك ما يضمن بقاء الهرم هو بطل الحكاية .

التناغم مع هضبة الهرم



بنفس الطريقة من التواضع للطبيعة وللبيئة المحيطة بالمشروع ؛ يؤكد التكوين المعماري على الترابط الأفقي مع هضبة الهرم ، ويحافظ على تناغمه البصري مع المناظر الطبيعية المحيطة.
بالاضافة لذلك تتماشى كتلة المبنى مع الكثبان الرملية ومنحنيات الصحراء، مما يضمن بقاءه تابعًا للأهرامات التي تظهر في الأفق.
ويظهر ذلك في بنية الجدران المكونة من 3 جدران الأول خرساني يكسوه الرخام ، والثاني من معدني لتثبيت الواح الزجاج الشفافة ،والثالث هو حائط معدني أيضاً لكنه مكسو بالرخام .
كما اضيفت أحجار من الرخام المضئ المنفذ للضوء transplant التي تنفذ ضوء الشمس بطريقة رائعة ، وعلى الرغم من روعته إلا أنه ضعيف وغير مقاوم للعوامل الجوية فكان الحل تغطيته بطبقة من الزجاج وطلاه بمواد عازلة للحرارة.

أما بالنسبة لشكل الواجهات التي تكونت من عدد لا نهائي من المثلثات ، فكان ذلك اقتباساً من المهندس المصري القديم الذي اتخذ من المثلث كرمز للتوازن والقوة والاستمرارية بل والخلود .
وعند التدقيق في تكوين الواجهة نجد أن المثلثات الصغيرة هي جزء من مثلث كبير وهو بدورة جزء من مثلث أكبر وهي نفس نظرية المصري القديم بأن كل شئ هو جزء من الكل وانه لاحدود ولا نهاية لهذا الكل .

السقف الفريد :

منذ البداية ؛ صمم المعماريون المبنى بحيث يسمح للشمس بالدخول ، لتكون هي مصدر الضوء الذي يُظهر تفاصيل تلك القطع الحجرية ،التي نحتها المصري القديم تحت الشمس ، وعرضها تحت ضوء وظل الشمس فكانت شاهداً على مدى فنه وإتقانه.
لذلك كان السقف شفافاً منفذاً للضوء الطبيعي وهو أيضا مكون من طبقات تجعله مظللا في وجود الضوء الطبيعي ، خاصة على الدرج الرئيسي وقاعات العرض الرئيسية حيث خُصصت هذه الفراغات للكتل الحجرية الفرعونية التي تتحمل بل وتحافظ على بقاءها في وجود الضوء الطبيعي .
اجتماع هذه المواد معاً بهذا الشكل في السقف لم يكن فقط للإضاءة والظل ؛ بل كان لإضافة تأثير الرهبة والعظمة حين دخول هذا الصرح وهذه أيضاً فعلها المصريون في المعابد منذ الآف السنين .



تحقيق مفهوم الاستدامة

كل ما سبق يوضح كيف أن المبنى منسجم جداً مع الطبيعة وهذه عادة أهم خطوة لتحقيق الاستدامة وتوفير الطاقة ، فالاعتماد مثلا على الضوء الطبيعي بشكل كبير وفّر كم هائل من الاضاءات الصناعية التي قد يستهلكها المتحف لولا دخول الشمس اليه بصورة طبيعية .
أما الظل فقد وفر طاقة ضخمة كان سيحتاجها المتحف لدفع التكييفات ، فالمتحف يتمتع بشكل طبيعي بدرجة حرارة مناسبة.
والمتحف أيضاً يضم تركيبات الطاقة الشمسية، وتجميع مياه الأمطار، والتهوية الطبيعية، واستخدام مواد محلية مثل الجرانيت والرخام. ولذلك حاز المشروع على العديد من الشهادات البيئية،
بما في ذلك شهادة EDGE Advance، التي تثمنح للأبنية المستدامة الصديقة للبيئة ،
فهو الآن أول متحف صديق للبيئة في أفريقيا والشرق الأوسط.

ملحقات المتحف

  • إلى جانب المدخل الرئيسي الذي يحتوي على تمثال رمسيس الثاني وخمس قطع أثرية ضخمة،والدرج العظيم الذي يضم 87 قطعة أثرية ضخمة ؛ هناك أيضا مكونات أخرى للمتحف اهمها :
  • قاعات العرض:
    • قاعة الملك توت عنخ آمون: تعرض كنوز توت عنخ آمون كاملة لأول مرة.
    • قاعات العرض الدائم: تضم القطع الأثرية الخاصة بالحضارة المصرية القديمة.
    • قاعات العرض المؤقت: مخصصة للعروض المتغيرة.
    • متحف مراكب خوفو: يُعرض فيه ما يجسد ملحمة علمية وميدانية في عملية نقل وترميم وبناء المراكب.
  • المراكز والمخازن:
    • مركز الترميم: يضم أحدث التقنيات العالمية لترميم الآثار.
    • مخازن الآثار: تحفظ حوالي 50 ألف قطعة أثرية للدراسة والبحث.
  • الخدمات والترفيه:
    • متحف الطفل: مخصص لشرح المحتوى الأثري باستخدام الوسائط المتعددة.
    • المكتبات: الرئيسية ومكتبة الكتب النادرة ومكتبة المرئيات.
  • مناطق الخدمات: تشمل الحدائق والمنطقة التجارية التي تضم المطاعم والكافتيريات .


في النهاية ؛ نحن أمام مشروع عظيم استغرق تحوله من فكرة وارض جرداء إلى صرح من أهم منشآت العالم عقدين من الزمن ، استهلك الكثير من الجهد وتفاصيل تشبه تلك المثلثات اللانهائية التي اصطفت على جدران المتحف ، فأصبحت حقيقة ملموسة ومذهلة .
هذه التفاصيل تستحق البحث لأن في اكتشافها متعة ، أتمنى أيضاً زيارة المتحف كا تمنت روزين هينيغان حين رات افتتاحه بالتأكيد الوقوف في هذا هذا التكوين الهائل سيكون شعوراً رائعاً .

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *