
لا شك أن اهم ما يميز الطابع الإسلامي هو العمق والأصالة والجمال ، وهو أبعد ما يكون عن السطحية ، لأنه يعبر عن هويته الثقافية التي اكتسبها من مئات السنين ، لكنها ما زلت ساحرة واستثنائية وراقية .
في هذا المقال نتناول أهم العناصر التي تميز الطابع الإسلامي في العمارة والتصميم الداخلي ، والتي بتحقيقها ستحظى ببيت ، أو مبنى ، ينطق بالهوية الإسلامية وبالأصالة والأناقة معاً .
بداية نشأة الطابع الإسلامي
بدأت ظهور ملامح العمارة الاسلامية مع انتشار الدين الاسلامي وما قام به من تغييرات جذرية في المجتمع المسلم ، أهمها هدم الأصنام وعبادة الله وحده وما تلى ذلك من تحريم تجسيد صور الانسان والحيوانات ، والكثير من التعاليم الأخرى كحرمة الجار واحترامه ووضع حدود التعامل بين الرجال والنساء ، والاستئذان وافشاء السلام وفوق كل ذلك التعبد والصلاة .
وكان لذلك عظيم الأثر على نفوس المسلمين وتعلقوا تعلقاً روحياً بهذا الدين واستمدوا كل ثقافتهم من القرءان والسنة ، وانعكس ذلك بشكل فريد على البنيان بشكل عام من حيث إنشاء المساجد والمدارس والأسبلة ، وانعكس على وتصميم البيوت بشكل خاص ، وفيما يلي أهم العناصر التي عكست الثقافة الاسلامية بشكل واضح في إنشاء المباني :
الخصوصية والراحة
لأن المهندس أصبح مسلماً فقد كانت هويته هي المرجع الأساسي في اتخاذ القرارات في التصميم وتقسيم الفراغات والبناء ، فهدف إلى تصميم بيئة تحمل الطابع الإسلامي تشملها الخصوصية والشعور بالأمان ، فوجه المبنى إلى الداخل بانشاء فناء تطل عليه معظم فراغات المبنى وهو ما ضمن أعلى قدر من الخصوصية ، كما حقق التهوية الجيدة والظل فأصبحت البيوت تتمتع بنوع خاص من الرفاهية رغم بساطتها .

فصل الفراغات
من أهم مبادئ التصميم في الطابع الإسلامي هو فصل الفراغات بحيث يكون أماكن مخصصة للضيوف وأخرى لأهل البيت ، اماكن للنساء واماكن للرجال ، الأمر يبدأ من باب البيت حيث توجد قطعتين مخصصتين للطرق لكل منهما صوت مختلف ليفهم أصحاب البيت ما إذا كان الطارق رجل أو امرأة وبالتالي يقررون من يستقبل الضيف ،
يتجه الرجل مع ضيوفه إلى السلاملك وهو مكان الاستقبال المخصص للرجال ، بينما تتجه السيدات إلى الحرملك الذي غالباً ما يكون في الطابق المرتفع وبه نوافذ تطل على فناء المنزل وتسمى مشربية ، وهي في تصميمها أيضا تضمن أعلى قدر من الخصوصية للنساء حتى وان كان تطل على الشارع .
الأنماط الهندسية geometric pattern

هذه الخطوط بالذات أشعرأنها ساحرة ؛ كلما تاملتها تأخذني في رحلة في طرقاتها فأراها بألف طريقة وأتخيل لها ألف تفسير ورواية .
لا شك أن الأنماط الهندسية هي جانبا أساسيا من عناصر الطراز الاسلامي ، فمن أول وهلة يمكنك وصف التصميم بأنه إسلامي عربي عند رؤية الأنماط الهندسية المتداخلة ؛ تزين البلاط أو المنسوجات أو الاخشاب .
يبدأ التصميم بأي شكل هندسي قد يكون مثلث أو دائرة أو مربع بمربع واحد أو نجمة ثم تتابع وتتكرر بطريقة فنية ؛ ليتكون هذا البناء الفريد في كل مرة من تلك القطع الفنية .
وبالطبع هذه الأنماط الهندسية عكست مدى تقدم المسلمين في الرياضيات؛ والهندسة؛ والعلوم المختلفة .
كما عكست مدى الفن الروحاني الذي يستلهم إبداعه من هويته الدينية والثقافية .
الخط العربي calligraphy

انفردت الحضارة الإسلامية باستخدام الخط كأداه للتزيين والزخرفة ؛ وأصبحت الكتابة فناً منفرداً بذاته ، تعددت صور تشكيل الحروف وطرق رسمها وليس هذا هوا السبب فحسب ، ولكن تقديسهم لآيات القرءان التي حُفرت في داخلهم ، فأردوا أن يحفروها على الجدران والأسقف في المساجد وفي البيوت أيضاً .
كما نقش الشعر أيضا خاصة تلك القصائد في حب الله وحب رسول الله ليعبر كم هذه المعاني تلمس حسه وشعوره وتدفعه أيضا ليكون دوما على الطريق الصحيح .
الزخارف العربية – الارابيسك

الارابيسك هو الأسلوب الاسلامي في الفن والزخرفة ، حيث يعتمد على استخدام النباتات والأوراق والخطوط بطريقة متداخلة ومتناغمة ، وعلى الرغم أن المكون الأساسي هو عنصر واحد وبدون استخدم اي تجسيد لصور كائنات حية ؛ إلا أن الطريقة التي تشابكت بها هذه العناصر البسيطة تخبر عن مدى مهارة وإبداع الفنان المسلم وعمق شعوره .
وهو نفسه الشعور بالعمق والجمال المجرد الذي يتلقاه المتأمل في هذا الفن .
ترمز الزخارف العربية وتعبر عن المثالية والكمال حيث أنك لا تستطيع أن تجد لها نهاية ، مثل الكون على اتساعه لا تستطيع ادراك نهايته وحده الخالق الذي يتصف بالكمال ويدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار .
الأصل في كل تصميم من تصاميم الارابيسك هو قطعة واحدة وتصميم واحد ولكنها تنعكس وتدور وتتكرر حتى تغطي السطح المراد زخرفته .
هذا السطح قد يكون حائطا تحفر عليه هذه الزخارف ، أو أرضية أو نافذة خشبيه تشكلت من هذه الأشكال ، وفي هذه الحالة تتحول هذه النافذة من مجرد فتحة أو شباك ، إلى مشربية حيث أن المشربية هي الطريقة الإسلامية في تصميم الفتحات المزخرفة بالزخارف الإسلامية .
الفسيفساءmosaics

كلمة فسيفساء تعني قطع صغار ملونة من الرخام أو غيره ، يضم بعضه إلى بعضه الآخر في الحيطان أو في الأرض فتتكون منه صور وأشكال فنية متنوعة .
استخدمت الفسيفساء لخلق تأثيرات بصرية خلابة ، ناتجة عن تداخل هذه الأجزاء الدقيقة معا ، وهذه الأعمال الدقيقة دوما ما تعطي تأثيرا بديعا في العمل الفني .
استخدمت الفسيفساء لصنع جداريات رائعة ، نراها في المباني والبيوت ،وتزخر مناطق متعددة من أرجاء الحضارة العربية الإسلامية بأعمال وفنون فسيفساء مميزة ومُدهشة، مثل مدينة فاس بالمغرب التي يقال عنها أنها سُميت فاس نسبة لكثرة ما فيها من اعمال الفسيفساء ، وايضاً مدينة مادبا بالأردن معروفة بمدينة الفسيفساء.
وهذا الفن لا يُختلف على جماله ؛ فهو على قدر دقته وتفرده يعطي عملاً فنياً نهائياً نادراً، لأنه يصعب تكرار عملين مثماثلين تماماً منه، فكل قطعة تصنع وتوضع يدوياً لذلك هو مبهر ومدهش .

الضوء

على الرغم أن الضوء هو مكون طبيعي إلا أنه لعب دورا محوريا في التصميم الإسلامي وذلك لأن المهندس المسلم قد اتقن اللعب مع الضوء ، واستغل جماليات الضوء أقصى استغلال .
فمرة ينفذ الضوء بين خطوطه الهندسية الدقيقة فيعطي تأثيرا ساحرا . ومرة يصنع التوازن بين الظل والنور ، ومرة يدرس التأثير النفسي للضوء في كل بقعة من البناء ، فأصبحت الضوء مع الظلال أداة جديدة يستخدمها لإبراز جمال عناصره المعمارية ، أو خلق الراحة في الفراغ فمثلا قد يجعل الممر الذي يمر به المصلين قبل الوصول إلى باحة المسجد ضيقاً مظلماً ؛لا يرى فيه إلى النور القادم من الباحة الداخلية وكانه يسعى ليتخلص من الضيق والظلام ليصل إلى ذلك النورالذي سيجده في الصلاة والعبادة.
وكانه كان يستخدم الضوء كأداه للربط بين العالم المادي والعالم الروحاني .
استخدم أيضاً النوافذ بحيث تسمع للضوء بالدخول ولكن بأكبر قدر من الظل وذلك من خلال القطع الخشبية المزخرفة ، كذلك بنى الفناء في وسط المنزل وحوله الغرف بحيث تستمد الضوء من داخل المبنى مع أقل درجة من حرارة الشمس وأعلى قدر من الخصوصية .
المواد المستخدمة
اعتمد المصمم في الطراز الاسلامي على الطبيعة حيث استخدم الأخشاب والأحجار وهو ما يعطي شعورا بالدفء والامتنان للأرض التي يبنى عليها، فمعظم البيوت كانت متصلة بالطبيعة المحيطة ، وتستخدم مواد البناء والتشطيب المحلية ، وهو ما جعل المدينة تحمل طابعاً خاصاً ومميزاً والمباني والبيوت في داخلها كذلك .
استخدم أيضاً الأخشاب بشكل واسع ، لكنه أثقلها بلمساته الفنية من فنون الزخرفة سواء بالنحت أو النقش أو التطعيم بالأحجار الكريمة .
استخدم المسلمون ايضاً الأقطان والكتان ، و استخدام الحرير والقطيفة بشكل واسع في الفُرُش والوسائد ليضفي جواً من الرفاهية والفخامة .
ظهر أيضا الطابع الإسلامي في تطريز هذه الأقمشة بالزخارف الخطية والنباتية المميزة ، فتشعر حرفياً ان كل قطعة تتحدث وكل القطع تمتلك لغةً واحدة .
السجاد .

البساط السحري الذي يعرفه العالم من قصة علاء الدين أصله ممتد من الثقافة العربية الإسلامية ، والجميع يعرف قيمة السجاد الإيراني والسجاد التركي والسجاد المصري ، الفنان المسلم حول البساط الذي يُفرش على الأرض لقطعٍ فنية اسمها سجاد وأصل الكلمة أت من السجود أي البساط الذي يفرشه للصلاة ، فأصبح كل ما يُفرش على الأرض وهو مغزول منقوش اسمه (سجاد) ، حتى أن هذه القطع من جمالها ودقتها أصبحت تُعلق على الجدران وما أجملها !
الألوان المستخدمة
الألوان بالنسبة لي في العمارة الإسلامية هي تلك الوسائد والفرش القطيفة المخملية باللون الأحمر الدافئ والأزرق والأخضر ، التي تعطي شعوراً بالفخامة والرفاهية ،خاصة مع هذا التباين بينهم وبين اللون الأسود اوالبني الموجود في الأرائك والكراسي والأبواب والشبابيك .
امتزجت هذه الألوان أيضاً مع اللون الذهبي لطلاء وزخرفة المساجد والقصوروالمباني العامة .
في بعض الاماكن طُليت الأبواب والنوافذ باللون الأزرق ونر ذلك جلياً الآن في بلاد المغرب حيث يمتزج اللون الأزرق مع اللون الأبيض للجدران فيصنع تجربة جمالية من نوع خاص .
استخدم اللون الأخضر أيضاً في المساجد والحدائق والباحات الخارجيةلككل منهما .
كما ظهر الزجاج الملون أيضاً كسمة معروفة في الطرازالإسلامي حيث استخدم الألوان الزاهية معا في تطعيم الزجاج كالأحمر روالأصفر والأزرق ؛ والتي اتحدت مع الضوء لصنع عمل فني متكامل .
الأثاث
تُعدّ القطع العملية، مثل المجالس والأرائك، عنصرًا أساسيًا في التصميم، وهي مصممة للجلوس والنوم.
يتميز الأثاث في الفن الإسلامي والعربي باستخدام الأنماط الهندسية المعقدة والخط العربي والزخارف العربية، وغالبًا ما تُستخدم فيه تقنيات مثل التطعيم والنحت. وتتراوح الأساليب الشائعة بين الأثاث المغربي النابض بالحياة والمزخرف بالبلاط، والطراز السوري (أو الدمشقي) الأكثر بساطة وأناقةً مع تطعيم عرق اللؤلؤ.
مصادر الإضاءة
الفانوس ، الثريا ، السراج ، والشموع والمصابيح الزيتيه كانت هذه مصادر الإضاءة التي أصبحت كل منها أيقونة للطرازالاسلامي ؛ وكعادته جمع المهندس المسلم بين الوظيفة والجمال فصنع الفوانيس من النحاس والزجاج الملون، والتي وُضعت بعناية في الأماكن المركزية لتوزيع الضوء بطريقة متوازنة تُبرز جمالية الزخارف والأسطح المعمارية. اعتمدوا على المهارة الحرفية في نحت وتشكيل المعادن، وتطعيمها بالزجاج المشكّل يدوياً، مما منح كل فانوس طابعاً فريداً يحمل طابع الزمان والمكان الذي صُنع فيه.
كما استخدم المصابيح الزيتية والتي كانت بديلاً نظيفاً لأنها لا تسبب أدخنة وبالتالي كانت اختياراً موفقا للاماكن المغلقة ، كما استخدمت لابراز العناصر المعمارية والزخارف .
ومن العناصر المساعدة لتوزيع الضوء وزيادة سحرالمكان وجماله أيضاً هو الزجاج الممعشق والمرايا وزخرفة الأسطح لتعزيز انعكاس الضوء .
الأقواس والقباب
استخدمت القباب بشكل واسع في العمارة الاسلامية ، وكذلك الأقواس استخدت كثيراً في التصميم الداخلي ،وأصبحت سمة للطابع والطراز الاسلامي ويمكن استخدامها مع بعض الأساليب الاخرى في التصميم لتعطي شعورا مميزا بالانتماء للطبيعة وتزيد الشعور بالدفئ وهي عنصر جمالي في حد ذاتها .
خاتمة
في النهاية، كل عناصر التصميم في الحضارة الإسلامية هي قطعة من الجمال الأصيل التي تدعو حقاً للتأمل ، وهي تعبير عن هوية تستحق أن تظهر وأن نفخر بها ونحفظها ، وهي قابلة لاستخدامها في كل عصر ، وهي متوافقة مع السطاة التي نفضلها في وقتنا الحالي ، بل وتضفي فوق البساطة أناقة ورقي وشخصية متفردة .
المراجع
-pdfhttp://chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://mjaf.journals.ekb.eg/article_136961_f9e7e3c3b980c61a6cf20e0ce3382a5c.pdf
-https://www.behance.net/gallery/216750239/FURNITURE-DESIGN-(insbired-by-arabic-letters)?tracking_source=search_projects|islamic+furniture+arabic
