
الأسماء أحياناً لا تكن مجرد كلمة لوصف شئ ما ، الاسم قد يخبر الكثير عن صاحبه ، يخبرك أصله وفصله والأهم أنه يخبرك معناه وكلما كان المعنى أصيلاً عميقاً زات قيمة الشئ وارتفع اسمه حتى يصبح متفرداً لا يُضاهى ، هكذا أرى الأسماء وهكذا تميزت المصطلحات والمعاني في لغتنا العربية ، ومن أكثر الأشياء التي تجعلني أتوقف عند سماع اسمها لأتذوق معناه وأتفكر فيه هي عناصر العمارة الاسلامية والتي أظن أن الكثيرين يشعرون بنفس الانتماء والتقدير فهي جزء أصيل من هويتنا وثقافتنا الفريدة والتي يجب أن تظل بل وأتمني أن تعود لها الحياة على ألسنتنتا و مسامعنا وبيوتنا ، هذا المقال هو واحد من سلسلة تضم معجم مصطلحات العمارة الاسلامية والذي اعتبرها في تفردها وأصالتها تستحق التقدير وتستحق الحياة .
سنبدأ بالمصطلحات التي كانت موجودة في البيوت الاسلامية القديمة وبعضها لا زال يستخدم حتى اليوم.

المجاز
المجاز هو ممر يقع مباشرة بعد الباب الخارجي للبيت، ويتميز بأنه ينعطف بزاوية قائمة (90 درجة) أو أكثر قبل الوصول إلى الفناء الداخلي. الهدف منه “اجتماعي” لمنع المارة في الشارع من كشف حرمة البيت عند فتح الباب الخارجي، و”بيئي” ليكون مصداً لتيارات الهواء الساخنة والأتربة.
يُشتق من “جَازَ” المكان إذا عبره وانتقل من ضفة إلى أخرى. والمجاز هو الفراغ الانتقالي.
تدرس كليات العمارة الغربية هذا المفهوم تحت مصطلح Bent Entrance أو El-Majaz كآلية عبقرية لحل مشكلة الخصوصية البصرية بدون حوائط مصمتة خانقة.
الدهليز
وهو ممر طويل يربط بين المدخل المنكسر وصحن البيت ، يعمل كمنطقة تكييف وضغط هوائي حراري؛ حيث يمر الهواء الخارجي الساخن عبره ويفقد جزءاً من حرارته برطوبة الجدران السميكة قبل الدخول إلى قلب البيت.
كلمة دهليز لفظ معرّب من الفارسية (دالان-ليز)، واستقر في المعاجم العربية ليعني الممر الضيق المستطيل الواقع بين الخروج والدخول.
انتقل اللفظ إلى الأندلس، ويُستخدم في المعاجم الأثرية الغربية بصيغة Dehliz للتعبير عن الممرات البينية السكنية.
ثانياً: فضاءات المعيشة والاستقبال (قلب البيت)

الصحن
من “صَحَنَ”، والصحن في اللغة هو الإناء الواسع العريض المُنفتح.
و هو الفناء المفتوح على السماء الذي تتوزع حوله كافة غرف البيت. يمثل الصحن “الرئة الحرارية” للمبنى؛ في الليل يخزن الهواء البارد، وفي النهار يطرده تدريجياً نحو الغرف عند اشتداد الحرارة. كما أنه الفضاء الآمن الذي تتحرك فيه الأسرة بحرية كاملة تحت أشعة الشمس دون أن يراهم أحد من الخارج.
تبنت العمارة الإسبانية (الأندلسية) هذا العنصر بحذافيره وعُرف عالمياً باسم Patio، وهو من المصطلحات الأصيلة المعترف بها في الغرب كابتكار شرقي وإسلامي.
الدرقاعة
عند دخول القاعات الكبرى في البيوت القاهرية أو الدمشقية، تجد مربعاً أوسطاً منخفضاً عن بقية الأرضية يُسمى “الدرقاعة”، وتتوسطه نافورة ماء (فسقية) لترطيب الجو، بينما تُفرش جوانبه المرتفعة بالسجاد والوسائد للجلوس.
يُكتب في المراجع الغربية المتخصصة كما هو Durqa’a لشرح فلسفة مستويات الأرضية المتفاوتة داخل الغرفة الواحدة.
مصطلح منحوت ومحرف من الفارسية “دار قاعة” أو “دركاة”، وتعني في لغة العمارة الجزء الأوسط المنخفض من القاعة الرئيسية.
السدلة أو السديل
فراغات صغيرة ترتد إلى داخل الجدران الجانبية للدرقاعة، وتُستخدم لوضع أسرّة النوم، أو المقاعد الخصوصية، أو الخزائن الخشبية لحفظ المتاع، مما يوفر مساحة الصالة الرئيسية.
من “سَدَلَ” الشيء أي أرخاه ومده، والسدلة هي الجناح المستطيل المقتطع من جوانب القاعة الكبرى
و هذا اللفظ تحديداً هو أصل الكلمة الغربية الشهيرة Alcove (المستخدمة في الإنجليزية والفرنسية)؛ حيث اشتقها الغربيون من اللفظ الأندلسي “القُبّة” (Al-qubba) التي كانت تصف هذه الدخلات الجدارية المسقوفة بعقود.
ثالثاً: المعالجات البيئية والتهوية
الملقف
وأصل الكلمة من من “لَقِفَ” الشيء إذا التقطه بسرعة. والملقف هو ملتقط الرياح.يُدرس عالمياً باسم Malqaf أو Windcatcher كواحد من أقدم وأذكى النظم البيئية المستدامة في تاريخ الهندسة المعمارية.
وهي قنوات أو أبراج مستطيلة ترتفع فوق أسطح البيوت، تفتح جهة الرياح الشمالية الباردة السائدةبحيث تلتقط هذه الأبراج الهواء البارد وتدفعه لأسفل المبنى ليمر فوق الفسقية أو أحواض مياه أو قلال فخارية، مما يخفض حرارة البيت بمقدار 5 إلى 10 درجات مئوية بدون استهلاك طاقة.
الشخشيخة
اسم صوتي يعود إلى حركة وتخلخل الهواء بداخلها محدثاً صوتاً شبهه البنّاء القديم بالشخشخة. وتسمى في الشام “الفانوس”.
قبة خشبية مرتفعة تتوسط سقف الدرقاعة، مليئة بالنوافذ الصغيرة من جهاتها الأربع. تعمل كـ”مدخنة حرارية” تسحب الهواء الساخن الذي يرتفع للأعلى تلقائياً، وتطرحه خارج البيت، بينما تسمح بدخول ضوء النهار الخافت غير المباشر.
تُعرف في القواميس الغربية بـ Shakhshikha أو توصف بـ Lantern Skylight عند دراسة عمارة القصور المملوكية والعثمانية.
رابعاً: النوافذ وإطلالات الواجهة

المشربية أو الشنشول
هذا الاسم يملك الكثير من المعاني بالنسبة لي لذلك هذا الموقع يحمل نفس الاسم وهو الاسم نفسه الذي يعرف عالمياً بلفظ Mashrabiya كما هو بلفظه العربي لأصالته وتفرده الهيكلي والوظيفي.
اما كعنصر معماري فهو نوافذ بارزة عن جدار البيت مصنوعة من خشب الساج بدون مسامير في تكوينات هندسية دقيقةوتملك وظيفة مبهرةحيث تمنع وهج الشمس المباشر، تسمح بمرور النور والهواء، وتوفر خصوصية مطلقة حيث تتيح لأهل البيت رؤية الشارع دون أن يراهم أحد من الخارج.
مشتق من “المشربة” وهي الرف الخشبي الذي توضع عليه قلال الماء الفخارية لتبريدها بفعل الهواء المار، أو من “الإشراف” لأنها تطل على الشارع. وفي العراق تُسمى “شنشول”.
.
القمريات والشمسيات
هي تلك النوافذ المعشقة بالزجاج الملون التي تُوضع في أعالي الجدران لتحول ضوء الشمس الحارق إلى بقع ضوئية ملونة باردة وساحرة تمنح غرف المعيشة جمالاً شاعرياً وتهدئ من حدة الإضاءة.
نسبة إلى الشمس والقمر؛ نظراً لتأثيرات الضوء المنبعث منها وتُعرف في الغرب بـ Qamariya أو Stained stucco screens.
خامساً: قاعات الاستقبال والمقاعد الخصوصية

التختبوش
لفظ معرب مركب؛ “تخت” (عرش أو مقعد) و”بوش” (مفتوح)، أي المقعد المفتوح.
وهو مساحة مغطاة تقع بالدور الأرضي، تفتح بكامل جهتها على صحن البيت عبر أعمدة، وتطل من الجهة الأخرى على حديقة خلفية. يُستخدم هذا الفراغ لاستقبال الضيوف الرجال لإجراء المعاملات التجارية، ويتميز بتيار هواء مستمر ناتج عن فروق درجات الحرارة بين الصحن والحديقة.
يُكتب عالمياً Takhtabush، ويُصنف كأفضل نموذج لـ “الفراغات البينية المفتوحة” المستدامة.
المقعد
اِسم مكان من الفعل “قَعَدَ”، وهو مجلس الجلوس.
شرفة واسعة تقع في الدور الأول للبيت (فوق التختبوش عادةً)، تطل على الصحن الداخلي عبر عقدين أو ثلاثة عقود ترتكز على أعمدة رخامية. يُوجه نحو الشمال لالتقاط الهواء البارد، ويُعد المجلس الصيفي المفضل للرجال في البيت.
يُطلق عليه في الدراسات الأثرية الأوروبية اسم The Cairo Seat أو يُكتب بصيغته العربية Maq’ad.
أجنحة النساء والعائلات

الحرملك
هو الجناح المخصص للنساء والعائلة في الطوابق العليا من البيت الإسلامي. يتميز بالانفصال التام عن جناح الرجال، وتطل نوافذه على الصحن الداخلي أو الشارع عبر المشربيات الضيقة لضمان الحرية المطلقة لساكناته بعيداً عن أعين الغرباء.
كلمة مركبة من أصل عربي وتركي؛ “حرم” (بمعنى المحرّم والمقدّس الذي يجب حمايته) واللاحقة التركية “لك” التي تفيد المكان. أي “مكان الحرم” أو جناح النساء.
دخلت كلمة Harem أو Haramlek كلغات العالم (الإنجليزية والفرنسية وغيرها) كاصطلاح ثقافي ومعماري يصف الفضاء السكني الخاص بالنساء في الشرق.
السلاملك
كلمة مركبة من “السلام” (التحية والترحيب) واللاحقة “لك” (المكان). أي مكان السلام والترحيب بالضيوف.
هو جناح الاستقبال والمطالعة المخصص للرجال والضيوف الأجانب عن أهل البيت. يقع عادة في الطابق الأرضي أو في جزء مستقل يسهل الوصول إليه مباشرة من المدخل المنكسر دون المرور بوسط الدار لحماية خصوصية العائلة.
يُكتب في المراجع الغربية Salamlek ويُدرس كآلية لفصل الحركة الاجتماعية داخل المسكن الواحد.
تفاصيل وعناصر قاعات الجلوس (الفرش الثابت)
المصطبة

لفظ عربي قديم يعني المقعد المبني من الحجر أو الطين المتصل بالجدار
مقعد ثابت يُبنى من الحجر بجوار الباب الخارجي للبيت في الشارع (لجلوس الحارس أو صاحب البيت مع جيرانه)، أو تُبنى داخل الدهليز والتختبوش وتُغطى بالوسائد والجلود لجلوس الضيوف.
انتقل اللفظ عالمياً عبر علم الآثار والعمارة Mastaba ليعني المصاطب والمقاعد الحجرية المرتفعة.
الطزر
هو امتداد صغير أو جناح فرعي يفتح على القاعة الرئيسية (الدرقاعة) ولكنه أصغر من الإيوان، يُخصص لجلوس شخصيات مميزة أو لوضع أدوات الشاي والقهوة والآلات الموسيقية.
لفظ معرب استُخدم في عمارة البيوت القاهرية والدمشقية، ويُقصد به الإيوان الصغير جداً أو “الدخلة” المرتفعة عن الأرض. وهو يذكر في الموسوعات المتخصصة كعنصر تفصيلي دقيق تحت اسم Tazar.
الكتبيات أو الخزانة الحائطية
مشتقة من “الكتب” أو “الخزن”، وهي الدواليب المدمجة في الجدران.
بدلاً من استخدام دواليب خشبية بارزة تستهلك مساحة الغرف، كان البنّاء المسلم يستغل سماكة الجدران الحجرية (التي تصل أحياناً إلى متر) ويقوم بعمل تجاويف داخلها، وتُغطى بضِلف خشبية مزخرفة بالخرط أو الأرابيسك لحفظ الكتب والمتاع
تُدرس كمعالجة ذكية للأثاث المدمج وتُترجم بـ Built-in wall cabinets مع الاحتفاظ بوصفها الإسلامي النمطي.
عناصر السقوف والأرضيات الزخرفية

الأزار أو الإزار الخشبي
شريط من الخشب المحفور يلتف حول أعلى جدران القاعة، يُكتب عليه آيات قرآنية، أو قصائد شعرية في مدح صاحب البيت، أو أدعية بالبركة (مثل: “يا مالك الملك جُد بالبركة”). وله وظيفة إنشائية أيضاً في إخفاء نقطة التقاء السقف الخشبي بالجدار الحجري.
الإزار في اللغة هو ما يحيط بالشيء ويستره،وفي العمارة، هو الشريط الخشبي الممتد أسفل السقف مباشرة.
يُعرف في الغرب بـ Epigraphic Frieze (إفريز الكتابة والخط العربي)، ويُعد من أبرز سمات الهوية البصرية للداخل الإسلامي
البرطوم أو البراطيم
كمرات خشبية ضخمة تمتد عرضياً عبر الغرفة لتحمل السقف الخشبي، وتُترك ظاهرة للعين ولكنها تُزخرف بالرسم والتلوين بماء الذهب والألوان الطبيعية (اللازورد)، مما يحول العنصر الإنشائي الثقيل إلى لوحة فنية علوية.
تُدرس تحت مسمى سياق السقوف الإسلامية المزخرفة بـ Painted Wooden Beams.
الفسقية أو النافورة
اِشتقاق محرف من اللاتينية (Piscina) وتعني حوض السمك أو الماء، وتطورت في العربية لتعني النافورة المرتكزة في وسط القاعة.
حوض رخامي مثمن أو دائري يتوسط الدرقاعة أو الصحن، يخرج منه الماء بتدفق هادئ. وظيفتها بيئية (ترطيب الهواء عبر التبخير وخفض حرارة الجو المحيط)، ونفسية (صوت خرير الماء يبعث السكينة ويحجب الأصوات الخارجية).
ثرت الفسقيات الإسلامية في عمارة القصور الأوروبية (مثل نافورة الأسود في قصر الحمراء بالأندلس) وتُعرف بـ Fountain/Fisqiya.
معالجات الإضاءة والأرضيات الفنية

لمشكاة هي التجويف في الجدار الذي يُوضع فيه المصباح، والقنديل هو المصباح الزجاجي المعلق.
عناصر إضاءة تصنع من الزجاج المموه بالمينا والذهب، وتُعلق بسلاسل نحاسية من السقوف (الخشبية أو القباب). توفر إضاءة دافئة وخافتة تتناغم مع الزجاج الملون للقمريات والشمسيات.
قناديل الزجاج المملوكية والمشكاوات تُعرض في كبرى متاحف العالم (كاللوفر ومتحف متروبوليتان) باسمها العربي Mosque/House Lamps أو Mishkat.
الرخام الخردة أو الفسيفساء الرخامية
“الخردة” تعني القطع الصغيرة الدقيقة. وهو فن تقطيع الرخام الملون وتركيبه.
أسلوب لتبليط أرضيات الدرقاعة أو الجدران المحيطة بالنافورات، حيث يتم تجميع قطع رخامية صغيرة جداً (سوداء، بيضاء، حمراء، وصفراء) في أشكال هندسية بالغة التعقيد (أطباق نجمية).
يُعرف في تاريخ الفن العالمي بـ Opus Sectile أو Islamic Marble Mosaic، ويمثل ذروة الهندسة الحسابية المطبقة على المواد الصلبة
مرافـق الخدمة والحياة اليومية

المستوقد
مكان الطبخ. في البيوت الكبيرة، كان يُسمى “المستوقد” أو “بيت الطبخ”.
يقع دائماً في أبعد نقطة عن غرف الاستقبال والمعيشة (غالباً في زاوية معزولة من الصحن أو ملحق خلفي). يحتوي على مداخن ضخمة مبنية من الحجر للتخلص من الدخان، ويوضع بالقرب من بئر الماء الخارجي لمنع تسرب روائح الطهي إلى أجنحة النوم والاستقبال.
يُدرس في وثائق الوقف التاريخية تحت لفظ Matbakh.
المندرة
قاعة كبرى في الطابق الأرضي للبيت، لها باب مستقل يفتح على الدهليز، وتُستخدم لاستقبال الضيوف من الرجال بشكل يومي (شكل مصغر من السلاملك ولكنه يغلب على البيوت المتوسطة والغنية في مصر والشام).
مشتقة من “النَّدْر” أو الشيء النادر البارز، وتطورت لتعني قاعة الاستقبال الأرضية المخصصة للرجال.
مصطلح متداول بكثرة في المراجع الاستشراقية التي وصفت الحياة الاجتماعية في الشرق العربي وتكتب Mandara.
وهذا المصطلح بالذات لا زلنا نستخدمه في الريف المصري وأنا استخدمته كثيراً بشكل شخصي والمندرة في البيت الريفي هي الغرفة التي تطل على الشرفة الخارجية ولها باب منفصل يفتح للخارج وباب آخر يفتح في صالة البيت الداخلية لاستقبال الضيوف خاصة من الرجال مع تحقيق الخصوصية لأهل البيت .
هكذا كانت مندرتنا وهذه هي عاداتنا وتقاليدنا وتراثنا وثقافتنا التي يجب أن ننقلها لابنائنا ليذوقوا متعة الفخر والامتنان والمتعة التي عرفناها ولنضع بين أيديهم هذا الارث الثقافي الثمين ولديهم من الوعي ما يكفي للحفاظ عليه ، ربما خطوة البداية هي تسمية الأشياء باسمائها الأصلية واعطائها قيمتها الحقيقية.


