ما هو”التصميم البيوفيلي”

تصميم داخلي مودرن على الطراز البيوفيلي لغرفة معيشة دافئة تحتوي على نباتات طبيعية وأثاث خشبي مريح للأعصاب.
Spread the love
تصميم داخلي مودرن على الطراز البيوفيلي لغرفة معيشة دافئة تحتوي على نباتات طبيعية وأثاث خشبي مريح للأعصاب.
توزيع النباتات والخامات الطبيعية في غرفة المعيشة كجزء من تطبيق التصميم البيوفيلي لتقليل التوتر اليومي.”

“بيوفيليا” (Biophilia) كلمة من أصل يوناني تتكون من شقين (Bio) وتعني الحياة، و*(Philia)* وتعني الحب والشغف فالكلمة تعني حرفياً “حب الحياة أو عشق الطبيعة .
أول من صاغ هذا المصطلح عالم النفس والاجتماع الفيلسوف الإنساني إريك فروم (Erich Fromm) في ستينيات القرن الماضي، حيث وصف البيوفيليا بأنها “النزوع النفسي والميل الغريزي لدى الإنسان لحب كل ما هو حي”.

لكن الذي نقل هذا المصطلح من أروقة علم النفس إلى قلب العلوم الطبيعية والمعمارية هو عالم الأحياء الشهير في جامعة هارفارد إدوارد ويلسون (E. O. Wilson) في كتابه العملاق “Biophilia” عام 1984. وضع ويلسون فرضية علمية صلبة تقول
“إن ارتباط الإنسان بالطبيعة هو ارتباط جيني متأصل في حمضه النووي ($DNA حيث نحن جُبلنا وتطورنا على مدار ملايين السنين في مساحات مفتوحة، بين الأشجار، وتحت النور الطبيعي، وعلى ضفاف الأنهار. لذا، فإن فصلنا عن هذا الوسط يسبب لنا ارهاقاًنفسياً وجسدياً.”
في أوائل الألفية الحالية، أخذ عالم البيئة المعمارية ستيفن كيلرت (Stephen Kellert) هذه الفرضية وصاغ منها أطر العمل الأساسية لما نعرفه اليوم بـ “التصميم البيوفيلي”، متحفاً للمعماريين بأدوات تحول هذا العشق الغريزي إلى جدران، وأسقف، وفضاءات معيشية.

Table of Contents

العمارة الاسلامية ومفهوم التصميم البيوفيلي

لو نظرنا نظرة عن قرب لوجدنا أن التصميم البيوفيلي بمعناه ومفهومه هو أقرب الأنماط الغربية لفلسفة العمارة في الإسلام ، في الرؤية الإسلامية، الكون ليس مجرد مادة صامتة مسخرة للاستهلاك، بل هو محراب ممتد يتنفس ويسبح. القرآن الكريم يذكرنا في مواضع شتى بأن كل ما حولنا ينبض بحياة من نوع خاص: “تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ”.
وحين بني المعماري المسلم بيته فإنه تناغم تماماً مع الطبيعة ، استخدم المواد المحيطة وأدخل النبات والهواء والماء لبيته بطرق عبقرية فكان بيته صديقاً للطبيعة مفعماً بالحياة ، تأمل معي
الصحن المفتوح (The Courtyard): في البيت الدمشقي أو القاهري القديم، كان الصحن هو قلب البيت، تتدفق منه أشعة الشمس، ويتوسطه بحرة ماء (نافورة) تصدر خريراً يهدئ النفس، وتحيط به أشجار الليمون والياسمين. هذا التصميم يربط الساكن بالسماء والطقس وتقلبات الفصول بشكل مباشر.
المشربيات الخشبية: لم تكن مجرد أداة للخصوصية، بل كانت فلاتر ذكية تتحكم في الضوء الطبيعي، وتسمح بمرور النسيم، وتخلق ظلالاً هندسية متحركة على الأرضيات تشبه ظلال أوراق الأشجار في الغابة.
الملاقف وهي عبارة عن أبراج مستطيلة ترتفع فوق أسطح البيوت، ومفتوحة من جهة هبوب الرياح المحببة (غالباً جهة الشمال). تعمل هذه الأبراج كـ “رئة طبيعية” للمبنى؛ حيث تلتقط الهواء العليل والنقي من الطبقات العليا، ثم تدفعه لأسفل ليمرّ غالباً فوق (النافورة) أو جرة فخارية مبللة في صحن البيت، فيتحول السحر المعماري إلى حقيقة: يتلطف الهواء، وتنخفض حرارة الغرفة بضع درجات تلقائياً، ويتحقق تدفق مستدام للهواء النقي دون الحاجة لأي طاقة اصطناعية،
كل هذه السمات التي تميز بها البيت المسلم كانت تجسيداً لذكاء المعمار المسلم في التناغم مع الطبيعة وطقسها.

الركائز الهندسية الـ 14 للتصميم البيوفيلي

وعودة الى التصميم البيوفيلي بمعناه الحالي وضعت مؤسسة Terrapin Bright Green البحثية 14 خطوة أو ركيزة للتصميم البيوفيلي، وهي تُقسم إلى ثلاثة محاور كبرى

المحور الأول: الطبيعة في الفضاء (Nature in the Space)

ويقصد به الوجود المادي والمباشر لعناصر الطبيعة داخل الفراغ المعماري.

الاتصال البصري بالطبيعة (Visual Connection)

رؤية عناصر طبيعية حية (نباتات، حدائق، تضاريس، مياه) من داخل المبنى كأن تطل النافذة على الطبيعة بشكل مباشر .

الاتصال غير البصري (Non-Visual Connection)

وهو شعورك بالطبيعة من حولك ختي ان لم تكن تراها كسماع خرير الماء، شم رائحة الزهور، لمس ملمس الخشب الخام الطبيعي ، لمس الأقمشة الطبيعية وحتي استقبالك لنسمات الهواء البارد .

تحفيز تدفق الضوء (Dynamic & Diffuse Light)

السماح للضوء الطبيعي بالدخول والشعور بتغير حركة الشمس وضوؤها الفريد المتغير ، واستخدام الإضاءة المتغيرة التي تحاكي حركة الشمس طوال اليوم، والابتعاد عن الإضاءة الثابتة المجهدة للعين.

حركة الهواء والتغير الحراري (Thermal & Airflow Variability)

تصميم تيارات هواء طبيعية لطيفة تجعل الإنسان يشعر بتبدل درجات الحرارة خفيفاً كما يحدث في الخارج.

حضور المياه (Presence of Water)

إضافة نوافير، شلالات جدارية، أو أحواض أسماك للاستفادة من التأثير البصري والصوتي للماء.

الاتصال بالأنظمة الطبيعية

مراقبة تقلبات الفصول والطقس من خلال النوافذ ومساحات الرؤية.

المحور الثاني: التماثل والتناظر مع الطبيعة (Natural Analogues)

ويقصد به استخدام عناصر غير حية، ولكنها تحاكي الطبيعة في شكلها، وملمسها، ونقوشها.

الأشكال والأنماط الحيوية (Biomorphic Forms

تجنب الخطوط المستقيمة الحادة والزوايا القائمة الصارمة المصطنعة، والاستعاضة عنها بالخطوط المنحنية، والأشكال العضوية، والتصميمات التي تشبه الأوراق، الأصداف، أو هيكل الأشجار.

الربط المادي بالمواد الطبيعية (Material Connection)

استخدام مواد البناء في صورتها الخام دون إفراط في المعالجة (أخشاب بعروقها الظاهرة، أحجار طبيعية بمسامها، طين، كتان).

التعقيد والنظام الجمالي (Complexity & Order)

الطبيعة معقدة لكنها منظمة جداً (مثل الأشكال الهندسية المتكررة في أوراق السراخس أو حبات الثلج). وهذا ما نراه واضحاً في الانماط الاسلامية ونجد أن تصميم واجهات أو أسقف تتبع هذا التوازن يريح الدماغ بظلالها المدروسةويدعو النفس لتأمل جمالها .

المحور الثالث: طبيعة الفضاء نفسه (Nature of the Space)

ويقصد به الطريقة الهندسية التي تُبنى بها المساحة لتلبي الرغبات الغريزية للإنسان في الشعور بالأمان والاستكشاف.

الإشراف والإطلالة (Prospect):

تصميم مساحات تمنح الفرد رؤية واسعة وممتدة للأمام (شعور السيطرة والاستكشاف).

الملجأ والملاذ (Refuge)

توفير زوايا وأماكن دافئة ومحمية يشعر فيها الإنسان بالأمان التام والقوقعة (مثل المقاعد المدمجة في الحوائط أو غرف القراءة الصغيرة).

الغموض التشويقي (Mystery

تصميم مساحات لا تكشف عن تفاصيلها بالكامل من النظرة الأولى؛ ممرات منحنية بلطف تدفعك للمشي لاستكشاف ما ورائها.

المخاطرة السليمة (Risk/Peril):

وجود عنصر يثير الأدرينالين الخفيف المحبب مع أمان تام (مثل أرضية زجاجية تطل على فراغ بارتفاع طوابق، أو جسر معلق داخلي).

التأثير السيكولوجي والفسيولوجي: لغة الأرقام تتحدث

لم يعد التصميم البيوفيلي مجرد فلسفة كلامية، بل إن الأبحاث الطبية والعلمية الحديثة تقدم لنا أرقاماً مذهلة تثبت تأثيره على أجسادنا وعقولنا:

في بيئة العمل والشركات (الإنتاجية والإبداع)

أثبتت الدراسات المعمارية والصحية أن المكاتب التي تتبنى هذا الطراز تشهد:رتفاعاً في معدلات الإنتاجية بنسبة تصل إلى 15% وانخفاض معدلات الغياب المرضي للموظفين بشكل ملحوظ وزيادة القدرة على التركيز وحل المشكلات الإبداعية بفضل تقليل الهرمونات المسببة للتوتر.

في القطاع الصحي والمستشفيات

في تجربة شهيرة جداً للمعماري والباحث روجر أولريش، وُجد أن المرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية وكانت نوافذ غرفهم تطل على “أشجار طبيعية وحقول الخضرة”تعافوا أسرع وخرجوا من المستشفى بنسبة 8.5% أبكر من أولئك الذين تطل نوافذهم على جدران خرسانية صلبة و احتاجوا إلى جرعات أقل بكثير من مسكنات الألم القوية.

في المنازل السكنية (جودة الحياة)

التعرض للضوء الطبيعي والنباتات وخامات الخشب داخل المنزل يعيد ضبط الساعة البيولوجية للإنسان (Circadian Rhythm)، مما يحسن جودة النوم بعمق، ويسهم في خفض مستويات ضغط الدم الشرياني ونبضات القلب المشدودة.

دليل تطبيقي: كيف نصمم بيتاً بيوفيلياً ممتعاً؟

هندسة الضوء والنوافذ

احرص على استخدام النوافذ الكبيرة والممتدة من الأرض إلى السقف، واستخدام المناور السماوية (Skylights) لإدخال ضوء الشمس لعمق المبنى و تخلص من الستائر الثقيلة والمعتمة (Blackout) في النهار، واستبدلها بستائر كتانية أو شيفون تسمح بمرور الضوء المنكسر الناعم وتتحرك مع النسيم.

النباتات (ليست مجرد أصص على الأرفف)

بدلاً من وضع نبتة صغيرة وحيدة في الزاوية، اصنع “مجموعات نباتية” (Plant Clusters) بارتفاعات وأحجام أوراق مختلفة لخلق محاكاة حقيقية للغابات الصغيرة داخل البيت و استخدم النباتات المتسلقة (مثل البوتس أو اللبلاب) لتتدلى من الأسقف أو تكسو جداراً داخلياً معنياً (Living Green Wall).

المواد التي تخبرنا بقصتها (الملمس العضوي)

عند اختيار الأرضيات، يفضل الخشب الطبيعي (باركيه) أو الأحجار ذات الملمس الخشن و ابتعد عن الدهانات البلاستيكية ذات اللمعان العالي، واستخدم دهانات تعتمد على الطين والجير (Lime wash) التي تمنح الجدران مظهراً ترابياً غنياً بالظلال الطبيعية.

خرير الماء وسكون الروح

إضافة نافورة جدارية صغيرة وبسيطة في صالة الاستقبال أو بالقرب من مدخل البيت. صوت خرير الماء يعمل كـ “قناع صوتي طبيعي” (Sound Masking) يحجب ضوضاء الشارع والسيارات في الخارج ويحل محلها هدوء الطبيعة.

إن التصميم البيوفيلي ليس ترفاً جمالياً ولا صرخة ديكور تنتهي بانتهاء العام، بل هو فلسفة عودة وجسر صلح بين تكنولوجيا العصر وصوت الطبيعة بداخلنا ، عندما نصمم بيوتنا بهذا الأسلوب، نحن لا نغير مظهر الجدران فحسب، بل نغير طريقة تفكيرنا، ونحمي صحتنا النفسية، ونعيد أجسادنا لبيئتها التي خُلقت منها؛ ففي النهاية: “من الطين جئنا.. وإلى الطبيعة نميل”


المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *